على النقيض من ذلك، تنص نظرية "العقد الاجتماعي" على أن البشر، مقابل تحقيق الأمن والأمان، يوافقون على التنازل عن حقوقهم لحاكم يصل إلى السلطة بإرادتهم وليس بإرادة قوة أخرى غير قوة البشر. ونتيجة لذلك يكون سلطان الحاكم نسبيا وليس مطلقا، ما يجعل نظرية "العقد الاجتماعي" غير مؤسسة على الدين، وإنما على الديمقراطية.
والديمقراطية تجربة إنسانية للإنسان بما هو إنسان؛ فهي وليدة صراع طويل من أجل تحقيق الحرية والمساواة. كما أنها تقتضي أن يحكم الإنسان نفسه بنفسه ليكون حرا، وأن يحكم الشعب نفسه بنفسه ليكون حرا أيضا. وهكذا يكون سلوكه معبرا عن ذاته، حيث يضع هو نفسه القوانين التي تُدَبَّر بها شؤونه...
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت الحداثة الغربية ذات سمات ورواسب خاصة، فإنها في الآن ذاته قيم وسمات كونية تتلاءم مع مختلف الثقافات ولا تتصادم مع أسسها الدينية والحضارية العميقة، ما يسمح بالحديث عن الحداثة بكونها ظاهرة تاريخية شاملة وعن الحداثات المتنوعة (الأوروبية، والأمريكية، واليابانية...). فما هي أسس الحداثة وثوابتها رغم تنوع صيغها؟ إنها قائمة على المبادئ الآتية:
1- مبدأ الإرادة الإنسانية الحرة، أي ما عبر عنه هيجل بعبارة "الوعي بالذات"، بما لهذا المبدأ من نتائج في مستوى الممارسة المعرفية والمشروعية السياسية. ويستتبع ذلك حرية الضمير والعقيدةفي إطار الشؤون الروحية، حيث لا يحدها سوى النظام العام ووحدة الشعب وسيادة الدولة. ويقتضي ذلك المساواة في الحقوق بين الأديان والمعتقدات مع ضرورة تطبيق هذه المساواة مجتمعيا. ويترتب على هذا الشرط احترام الدولة لإنسانية مواطنيها باعتبارها قيمة قائمة بذاتها، وذلك بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم... وهكذا، يتمكن أبناء الوطنالواحد من العيش معا في ظل قيم الحرية والمساواة.
2- مبدأ الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، ويعني نزع القداسة عن المعطى السياسي وتأسيس شرعية الحكم على التعاقد والخيار الحر، أي وضع حد للاستبداد السياسي-الديني واستبداله بمرجعية الإرادة الذاتية الحرة والتعاقد المدني المحدد لشرعية السلطة ونظام الحكم.
3- مبدأ العقلانية، أي إخضاع الظواهر الطبيعية والإنسانية لأدوات التحليل الفكري بدون مصادرة أو تقييد.
4- مبدأ التجريب العلمي، أي التحقق من الفرضيات المنطقية-الرياضية، المتصلة بالظواهر الطبيعية عن طريق أدوات الاختبار التقنية المخبرية.
إن الشرائع الواردة في النصوص المقدسة غير مكتملة وغير مفصلة، وهو ما يجعلها تحتاج إلى سد ثغرات كثيرة وإلى تفصيل وتفسير واجتهاد. وقد نجم عن هذا خلاف وشقاق أدى إلى نشوء مذاهب مختلفة في الدين الواحد والمذهب الواحد. ويعكس تنوع التفسيرات والاجتهادات وحرية المرء في تفسير نص ما وفهمه الطبيعة التعددية للمجتمع. وبما أنه "لا إكراه في الدين"، فيجب أن يتمتع الناس بحرية الفكر والعقيدة والوجدان...
ورغم الاختلافات بين البشر، فإن كونهم بشرا يمنحهم هوية واحدة. وهذا ما يتطلب قبولهم لبعضهم البعض. ويعني قبول الآخر احترام حقوقه وصيانتها في إطار التنوُّع ضمن الوحدة والوحدة ضمن التنوُّع. أو َليستْ رعايتُنا حقوقَ الإنسان هي الوجه الأساسي من "الرعاية لحقوق الله"؟! (على حد تعبير المفكر الصوفي الكبير الحارث المحاسبي).
يجب أن تكون الدولة لجميع المواطنين دون أي تمييز ديني أو عرقي، إذ لا يمكن تشكيل مجتمع مدني متماسك إلا بهذا الشرط. والدولة المعادية للدين ليست ديمقراطية لأنها تفتقد شرط الحرية الدينية، كما أن الدولة الدينية ليست ديمقراطية لأنها تفتقد لشروط العقلانية والمساواة والحياد.
تُعْنَى الدولة الديمقراطية بسلوك المواطن ومدى احترامه للقوانين التي تواضع أفرد المجتمع عليها دون أن تتدخل في ضمائرهم. كما أنها دولة الإنسان المواطن سواء كان مؤمنًا أو ملحدًا أو كان ينتمي إلى دين الأغلبية أو الأقلية؛ فهي تضع القوانين وتطبق الجزاءات على المواطن وتترك السيئات للعقاب الأخروي. إن الدولة الديمقراطية دولة مدنية وتشكل مدنيتها هوية رسمية لكل مواطن من مواطنيها، حيث ترتبط حقوقه وواجباته بها وتستمد شرعيتها منه. وهكذا، فالحداثة السياسية هي صيغة يعمل ضمن إطارها الديمقراطي أفراد مستقلون وجمعيات ومنظمات وأحزاب لهم إيديولوجيات متباينة ومتناقضة وعقائد دينية ورؤى سياسية مختلفة...
